مجمع البحوث الاسلامية

825

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وقيل : المراد كبّه على وجهه ، وكان ذلك بإشارة منه . أخرج غير واحد عن مجاهد أنّه قال لأبيه : لا تذبحني وأنت تنظر إلى وجهي عسى أن ترحمني ، فلا تجهز عليّ ، اربط يديّ إلى رقبتي ، ثمّ ضع وجهي للأرض ، ففعل فكان ما كان . ولا يخفى أنّ إرادة ذلك من الآية بعيد ، نعم لا يبعد أن يكون الذّبيح قال هذا . [ إلى أن قال في تعيين الموضع ] وقيل : كان ببيت المقدس ، وحكي ذلك عن كعب ، وحكى الإمام - مع هذا القول - أنّه كان بالشّام . ( 23 : 130 ) عزّة دروزة : سحبه وطرحه على الأرض ، وجعل جبينه نحوها تهيّؤا لذبحه . ( 4 : 257 ) عبد الكريم الخطيب : أي طرحه على التّلّ . والتّلّ : المكان المرتفع ، كهضبة أو نحوها ، والجبين : الجبهة . ( 12 : 1006 ) المصطفويّ : ولا يخفى أنّ الإسقاط والإلقاء والصّرع والكبّ والصبّ والتّلّ ، كلّ منها قريب مفهوما من الآخر . ويعتبر في الإسقاط : الإلقاء من العلوّ والتّخلية . والإلقاء أعمّ من أن يكون من محلّ عال أو مساو في المادّيّات أو في المعنويّات . ويعتبر في الصّبّ : الانحدار بالتّدريج في المائع وما يشبهه . ويعتبر في الكبّ : الصّرع على الوجه ، فكبّ الإناء : القلب على الرّأس . وأمّا « الصّرع » فهو أعمّ من أن يكون على الوجه أو على القفا . وأمّا « التّلّ » فهو الصّرع الضّعيف النّاقص ، ولا يلزم أن يكون المتلول مصروعا بتمام بدنه وأعضائه ، ففي مفهومه شيء من الارتفاع والانتصاب ، وهذا المعنى هو الموجب لانتخاب هذه الكلمة . وبهذا يظهر ما في تعبير وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ من اللّطف والدّقّة . وأمّا عدم التّعبير بحرف « على » فللإشارة إلى أنّ « التّلّ » بمنظور تلّ الجبين ، لحصول امتثال الأمر بهذه المقدّمة وبهذا المقدار ، وليس الصّرع الكلّيّ مطلوبا حتّى يعبّر بجملة : وتلّه على الجبين . ( 1 : 372 ) مكارم الشّيرازيّ : القرآن الكريم يوضّح هذا الأمر في جملة قصيرة ، ولكنّها مليئة بالمعاني ، قوله تعالى : فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ . [ أي استسلامهما للأمر الإلهيّ ] مرّة أخرى تطرّق القرآن هنا باختصار ، كي يسمح لتاليه متابعة هذه القصّة بانشداد كبير . قال البعض : إنّ المراد من عبارة وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ هو أنّه وضع جبين ولده - طبقا لاقتراحه - على الأرض ، حتّى لا تقع عيناه على وجه ابنه فتتهيّج عنده عاطفة الأبوّة ، وتمنعه من تنفيذ الأمر الإلهيّ . على أيّة حال كبّ إبراهيم عليه السّلام ابنه على جبينه ، ومرّر السّكّين بسرعة وقوّة على رقبة ابنه ، وروحه تعيش حالة الهيجان ، وحبّ اللّه كان الشّيء الوحيد الّذي يدفعه إلى تنفيذ الأمر ، ومن دون أيّ تردّد . إلّا أنّ السّكّين الحادّة لم تترك أدنى أثر على رقبة إسماعيل اللّطيفة . وهنا غرق إبراهيم في حيرته ، ومرّر السّكّين مرّة